أحمد بن علي القلقشندي
307
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الآثار ، لبكى بعيني « عروة » ، وأوى من الرّصد وقد تفجّرت من صلده عيون النّزّ إلى ربوة ، أورنا لروض « الجزيرة » وقد خلع حلاه ، وتخلخلت عرائس أشجاره على الحالين بالمياه ، والنّخيل وقد قتلت ملَّاكها - حين فتك - بالأسف ، وجفّ أحمر ثمرها وأصفره قأرانا العنّاب والحشف ، و « الجيزة » وقد قلت لها : تبّا لجارك النّيل إذ أفسدك صورة ومعنى ، وسكن مغانيك فسقى ديارك بغير استثنا ، وقراها الغربيّة وقد قلت لها حين أوت إلى أعالي الأرض هربا من المياه ، واعتصمت بالجبل الغربيّ : لا عاصم اليوم من أمر اللَّه - وكلّ سفينة وقد علت على وجه الماء ، وارتقت لارتقاء البحر إلى أن اختلطت بالسّماء ؛ وقد قالت لها أترابها عند الفراق : إلَّا ترجعي ، وقلنا لها نحن على سبيل التّفاؤل : يا سماء أقلعي ؛ والنّيل تبدو عليه القلوع خافية فكأنّها الخيام بذي طلوح ( 1 ) ، وجار على الناس بطغيانه فكأنّما هو أخو فرعون مصر أو ابن طوفان نوح . فلقد طار النّسر مبلول الجناح ، ودنا نهر المجرّة من السّكارى بالشّخاتيت ( 2 ) إلى أن كاد يدفعه من قام بالرّاح ، ونرجس البساتين وقد ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم ، وفارق أحبابه من الرّياحين ولم يبق له غير القلانس صديق وغير الماء حميم ، والورد وقد قيل له : مالك من آس ، وغصن البان وقد قيل له : طوبى لمن عانقك ولا باس ، والأسماك وقد ألجمهم العرق ، والقلقاس وقد شكا شكوى ابن قلاقس وابنه من الغرق ( 3 ) ،
--> ( 1 ) ذو طلوح : موضع بين الكوفة وفيد . وقد ورد في شعر جرير : متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيتها الخيام ( معجم البلدان : 4 / 39 ) . ( 2 ) أي المراكب . ويقال أيضا « الشخاتير » . ( 3 ) ابن قلاقس هو نصر بن عبد اللَّه بن عبد القوي المتوفى سنة 567 ه . كان شاعرا من كبار الكتاب المترسلين . في سيرته غموض ، أبحر في تجارة فارتطمت سفينته بصخرة في جزيرة « نخرة » بين بلاد اليمن والحبشة ، فتبدد ما كان معه - على زعم أكثر المؤرخين . ولصاحب « الأعلام » بحث حول ذلك يصحح فيه مزاعم المؤرخين ، استنادا إلى ما كتبه ابن قلاقس نفسه . ( انظر الأعلام : 8 / 24 - 25 - 26 ) .